ابن أبي الحديد
407
شرح نهج البلاغة
وقد تأول القطب الراوندي كلام أمير المؤمنين في هذا الفصل ، فقال : إنما أنكر على من يقول : لم تعبد الله المكلفين بإقامة خمس صلوات ، وهلا كانت ستا وأربعا ! ولم جعل الظهر أربع ركعات ، والصبح ركعتين ؟ وهلا عكس الحال ! وهذا التأويل غير صحيح ، لأنه عليه السلام إنما أخرج هذا الكلام مخرج المنكر على من سأله أن يصف له الباري سبحانه ، ولم يكن السائل قد سأل عن العلة في أعداد الصلاة وكمية أجزاء العبادات . ثم إنه عليه السلام قد صرح في غضون الكلام بذلك ، فقال : فانظر أيها السائل ، فما دلك القرآن عليه من صفته فائتم به ، وما لم يدلك عليه فليس عليك أن تخوض فيه ، وهذا الكلام تصريح بأن البحث إنما هو في النظر العقلي في فن الكلام ، فلا يجوز أن يحمل على ما هو بمعزل عنه . واعلم أننا نتساهل في ألفاظ المتكلمين ، فنوردها بعباراتهم ، كقولهم في ( المحسوسات ) والصواب ( المحسات ) ، لأنه لفظ المفعول من ( أحس ) الرباعي ، لكنا لما رأينا العدول عن ألفاظهم إذا خضنا في مباحثهم مستهجنا عبرنا بعبارتهم على علم منا أن العربية لا تسوغها . * * * الأصل : هو القادر الذي إذا ارتمت الأوهام لتدرك منقطع قدرته ، وحاول الفكر المبرأ من خطرات الوساوس أن يقع عليه في عميقات غيوب ملكوته ، وتولهت القلوب إليه ، لتجري في كيفية صفاته ، وغمضت مداخل العقول في حيث لا تبلغه الصفات لتناول علم ذاته ، ردعها وهي تجوب مهاوي سدف الغيوب ، متخلصة إليه سبحانه ، فرجعت إذ جبهت معترفة بأنه لا ينال بجور الاعتساف كنه معرفته ، ولا تخطر ببال أولى الرويات خاطرة من تقدير جلال عزته . * * *